مكانة النبيّ محمّد (ص) عند الشيعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

ولادة النبيّ المستمرّة

مكانة النبيّ محمّد (ص) عند الشيعة

تُشكل شخصيّة النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله في الفكر الشيعي ذروة الكمال البشري؛ فهو صاحب الحقيقة المحمديّة وأوّل ما خلق الله وصاحب مقام الولاية والحجاب الأقرب إلى الله، وهو الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل من مراتب الكمال، والبالغ إلى ذروة التوحيد الذاتيّ (انظر: حقيقة التوحيد في الكتاب والسنّة )، في حين لم يتجاوز غيره من الأنبياء التوحيد الأفعالي والصفاتي. (انظر: رسالة لبّ اللباب ص 71 و حريم القدس ص 35).

فالشيعة يعتقدون أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) هو المعلّم الأرقى والمربّي الذي جاء ليضع للإنسان خطة عمل باطنيّة وظاهريّة، فرديّة واجتماعيّة للارتقاء به إلى حيث وصل هو صلّى الله عليه وآله.

يقول العلامة الطهراني رضوان الله عليه في كتابه القيّم معرفة المعاد:

مع أنّ الشرائع الإلهيّة تدعو برمّتها إلى التوحيد، إلّا أنّها متفاوتة تكاملاً من حيث القوانين و الأوامر. فشريعة النبيّ موسى -مثلاً- تختلف عن شريعة النبيّ عيسى.

كما أنّ شريعة النبيّ إبراهيم تنتهج طريقاً خاصّاً. أمّا شريعة الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله المكمِّلة و المتمِّمة لجميع الشرائع، فتشير إلى الصراط المستقيم الذي يقود جميع قوى الإنسان من حالتَي الإفراط و التفريط إلى الصراط الأوسط، صراط العدالة، و يبلغ بالإنسان إلى هدفه في أسرع وقت وأقصر طريق.

و لقد عاش النبيّ نوح على هذه الأرض تسعمائة و خمسين عاماً بين قومه، حسب ما ذكر القرآن، أمّا رسول الله صلّى الله عليه و آله فكانت‏ حياته الدنيويّة ثلاثاً و ستّين سنة، امتلك فيها مقامات و درجات عالية من المسلّم أنّه لم يحظ بها النبيّ نوح -مع كونه جدّ نبيّنا الأكرم- و بلحاظ النهج فقد كان تلميذَ مدرسة ابنه، و ربيبَ ولايته و روحانيّته.

لذا نلاحظ أنّ آدم أبا البشر و نوحاً و إبراهيم و موسى و عيسى و سائر الأنبياء على نبيّنا و آله و عليهم الصلاة و السلام كانوا يتوسّلون بالأنوار الطيّبة للخمسة آل الكساء لرفع الموانع الغيبيّة، و لفتح سُبل السلام، و لطيّ مدارج القرب و معارجه.

و عليه فإنّ سبلهم الباطنيّة إلى الله تعالى كانت مختلفة، إلّا أنّها أيضاً موصلة إلى المطلوب، و هادية إلى مقام قرب الحقّ و معرفته. (معرفة المعاد ج 8 ص6)

ولادة النبيّ المستمرّة

إنّ ولادة النبي (صلّى الله عليه وآله)  كانت حدثًا تنتظره البشريّة وتستعدّ له وكان الأنبياء يبشّرون به أتباعهم ويأمرونهم بانتظاره واتّباعه إذا أدركوه (انظر: محطات من السيرة النبويّة، بشارة الأنبياء السابقين بالنبي)، كما أنّها حين تحقّقت لم تكن مجرّد حدث تاريخي مضى وانقضى، بل كانت بزوغاً لشمس الهداية والولاية التي لم تغب ولن تغيب حتى قيام الساعة، وذلك لأنّها مقرونة بما يحفظها ويصونها ويتابعها إلى يوم القيامة، ألا وهو الإمامة الإلهيّة.

الإمامة عند الشيعة امتداد للنبوّة

تختلف الإمامة في المفهوم الشيعي عما هو شائع لدى أهل السنة؛ فهي ليست مجرّد منصب سياسي أو إداري، بل هي استمرار لنهج النبوّة وحقيقة باطنية تتجلّى في الأئمة المعصومين (عليهم السلام) فهي منصب إلهيّ وإدارة ربوبيّة لشؤون الدنيا بما يوصل إلى رضوان الله ولقائه ومعرفته على صعيد الفرد والمجتمع.

يؤمن الشيعة بأن الإمام بعد النبيّ معصوم مثله وشاهد على الأعمال مثله ومربّ مثله، غاية الأمر أنّه لا يوحى إليه بل له ارتباط بعالم الغيب بنحو آخر سوى الوحي(انظر: مفهوم النبوّة في تفسير الميزان (2))، ولا يأتي بشريعة جديدة، بل يبيّن ويطبّق شريعة النبيّ صلّى الله عليه وآله بحذافيرها، فالإمامة هي الامتداد الطبيعيّ لرسالة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بلا أي تغيير أو تبديل أو تحريف كما حصل في خلافة الخلفاء الآخرين، وهي السبيل الوحيد لبلوغ مقام المعرفة بالله ولقائه والفناء في ذاته، والأئمة هم القادة الإلهيّون لجميع البشر الذين يجتذبون كلّ من حافظ على إنسانيّته وفطرته وعقله كما يجتذب المغناطيس الذرّات المشاكلة له. (انظر: سبع حقائق حول الإمامة)

إمامة أهل البيت (عليهم السلام)

وبما أنّ أمر الإمامة ودورها كأمر الرسالة ودورها، فهي إلى الله تعالى أيضًا مثلها، وكما لا يختار الناس أنبياءهم، بل الله يعدّهم ويرسلهم، فكذلك هم لا يختارون الأئمّة عليهم السلام، بل الله يعدّهم ويختارهم مهما كانت أدوارهم مختلفة، ولا معنى لأن نرجّح بعضهم على بعض أن نقف عند بعضهم أو ننتسب إلى بعضهم حسب أهوائنا ورغباتنا. (انظر:محاضرة خصائص مدرسة التشيّع (ميلاد النبيّ (ص) والإمام الصادق (ع) ص 4 و سبع حقائق حول الإمامة)

وقد جعل الله الإمامة في أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله خاصّة، فمن هذا البيت الطاهر: الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام باب مدينة العلم، وولداه الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام اللذين قال عنهما رسول الله صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا، وقال عنهما إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة؛ علمهما علم رسول الله، وكلامهما كلامه وهدايتهما هدايته،  فعلي والحسن والحسين عليهم السلام يمثلون مع الأئمة التسعة من بعد الحسين إلى الإمام المهديّ القائم المنتظر عليهم السلام، الامتدادَ الحيّ والعمليّ لرسالة جدّهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

وولادة رسول الله صلّى الله عليه وآله هي ولادة هذا النهج الحيّ المستمرّ إلى يوم القيامة، فلولا الإمامة لماتت الرسالة الإسلاميّة وتبدّلت بموت رسول الله صلّى الله عليه وآله كما ماتت الشرائع السابقة وحرّفت ونسخت، ولكنّ الله جعل هذه الرسالة وهذه الشريعة حيّة حين قيّض لها إلى يوم القيامة تلك الإمامة المعصومة، فالإمامة هي التي تصدّت لنفي التحريف عن هذه الشريعة في عصر الإمام الحسين حين قام بسيفه، والهي التي تصدّت لنفي التحريف في عصر الإمام الصادق عليه السلام حين قام بقلمه، يقول العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه في سفره الفريد معرفة الإمام: لقد نطق آية الله المظفّر حقّاً إذ قال: فما أصدق القائل: إن الإسلَامَ عَلَوِيّ وَ التَّشَيُّعَ حُسَيْنِيّ! (تاريخ الشيعة» للمحقّق الكبير الشيخ محمّد حسين المظفّر، ص 27.) أمّا أنا فأقول:

إن الإنسَانِيَّةَ وَ الإسْلَامَ وَ التَّشَيُّعَ‌ حُسَيْنِيّ السَّيْفِ، وَ صَادِقِيّ القَلَمِ وَ البَيَانِ. (معرفة الإمام ج16 و 17 ص209 و نجدة الإسلام بحركة الإمام الحسين (ع) وحركة الإمام الصادق (ع))

وهكذا استمرّت تلك الشريعة مصونة بإمامة الكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري عليهم السلام، ولا تزال محفوظة في يومنا هذا بولاية الإمام المهديّ عليه السلام. ينقل العلّامة الطهراني رضوان الله عليه أيضًا في كتابه الشمس الساطعة عن أستاذه العلاّمة الطباطبائي أنّ هنري كوربان الذي حاور العلاّمة الطباطبائي حول التشيّع وأفاد منه كثيرًا فأدرك حقائق مهمّة من التشيّع كان يقول:

المذهب الوحيد في كلّ العالم الذي ما زال حيًّا ومتحرّكًا هو مذهب الشيعة؛ أمّا بقيّة المذاهب فقد أنهت عمرها بدون استثناء، وليس فيها أيّ نوع من التكامل والتنافس.

فاليهود لا يؤمنون بإمام ووليّ حيّ (وكذلك المسيحيّون والزردشتيّون) فهم لا يعتمدون على مبدأ حيّ، بل يكتفون بالعمل بالتوراة والإنجيل والزند وأفستا؛ وهم يبحثون عن تكاملهم ضمن هذه الدائرة فقط. وكذلك سائر فرق السنّة الذين يرون تكاملهم محصورًا بالقرآن والسنّة.

أمّا التشيّع، فهو دين الحياة والحركة؛ لإيمانه بضرورة وجود الإمام والقائد للأمّة الذي ما زال حيًّا، ولا يحصل الكمال للإنسان إلّا بالوصول إلى مقامه المقدّس؛ ولأجل هذا المقصد فإنَّه لا يبخل بأ يّ تحرّك وسير وعشق. (انظر: الشمس الساطعة ص71ـ  72 و رسالة التشيّع إلى البشريّة كافّة ص 10 )

وعلى هذا فالمذهب الوحيد الذي يعتقد بالولادة المستمرّة للنبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله هو التشيّع، والمذهب الوحيد الذي يدعو إلى الحياة وإلى دين حيّ وقائد حيّ وحياة طيّبة بلقاء الله في الدنيا والآخرة هو مذهب التشيّع: يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْييكُمْ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (سورة الأنفال، الآية 24) .

خاتمة

إن العلاقة التي تربط النبيّ صلّى الله عليه وآله بأهل بيته، سواء بأمير المؤمنين أو بالإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) أو بالإمام الصادق أو الإمام المهدي أو سائر الأئمّة عليهم السلام، هي علاقة اتصال واستمرار وعلاقة وحدة في الولاية وفي الروح (انظر: خصائص التشيّع ص 4). فمن خلال إمامتهم، تظلّ حقيقة رسول الله صلّى الله عليه وآله حيّة وتظلّ ولايته فاعلة، وتبقى تربيته قائمة وشريعته مصونة، تقود الإنسان من حالات الإفراط والتفريط إلى الصراط الأوسط، صراط العدالة، الذي يبلغ بصاحبه وبأقرب الطرق إلى لقاء الله وينظّم له حياة دنيويّة تهيّئ له ذلك.

 

 

دیدگاه‌ خود را بنویسید

نشانی ایمیل شما منتشر نخواهد شد. بخش‌های موردنیاز علامت‌گذاری شده‌اند *